محمد هادي معرفة
92
التمهيد في علوم القرآن
صريحا ، قبل أن يفرغ من كلامه عزّ شأنه ؟ ! وهل يتغلّب ضعيف في كيده على قوي في إرادته ؟ ! وهل هذا إلّا تهافت باهت ، وكلام فارغ ، لا يستطيع عاقل تصديقه ! ب - وأيضا فإنّه تعالى يقول : « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ » : كناية عن أنّ أحدا لا يستطيع التقوّل على اللّه ، تلبيسا للحقيقة إلّا ويهلكه اللّه من فوره . الأمر الذي تقتضيه حكمته تعالى ، جريا مع قاعدة اللطف ، وقد سبقت الإشارة إليها . أفهل ترى - بعد هذا التأكيد - يستطيع إبليس ، وهو صاحب الكيد الضعيف أن يتقوّل على اللّه ، ويلبس الأمر على رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) بما يحسبه وحيا آتيا به جبرائيل الأمين ؟ ! إذن فأين الضمان الذي ضمنه اللّه تعالى الغالب على أمره ، وتعهّده على نفسه في الآية المذكورة ؟ ! ج - وقال تعالى : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » فقد ضمن تعالى سلامة القرآن من تلاعب أيدي المبطلين ، وحفظه عن دسائس المعاندين ، أفهل يعقل - بعد ذلك - أن يترك إبليس وشأنه في سبيل التلاعب بالذكر الحكيم ، فور نزوله على رسوله الكريم ؟ ! وهل هذا إلّا تهافت في الرأي ، وإبطال لضمان اللّه ؟ ! ومعه لا تبقى ثقة بما وعد اللّه المؤمنين من النصر والغلبة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ! ! د - وقال تعالى : « إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » وقال : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا » . فكيف نجوّز - بعد هذا الضمان الصريح المؤكّد - أن يتسلّط إبليس على اخلص عباد اللّه المكرمين ، فيلبس عليه ناموس الكبرياء ، وفي أمسّ شؤون رسالته المضمونة ؟ ! على أنّ القرآن يصرّح : أن لا سلطة لإبليس على أحد إطلاقا ، سوى وسوسته الخدّاعة ودعوته إلى شرور ، أمّا التدخل عمليّا في شؤون الخلق أو الخالق ، فهذا